محمد جمال الدين القاسمي
249
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وفيه إشارة إلى أنّ إعلاء كلمة اللّه والجهاد في سبيله تعالى ، حسبما أمر في تضاعيف السورة الكريمة ، غاية مطلبهم . قال البقاعيّ : فتضمّن ذلك وجوب قتال الكافرين . وأنهم أعدى الأعداء . وأنّ قوله لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ليس ناهيا عن ذلك . وإنّما هو إشارة إلى أنّ الدين صار في الوضوح إلى حدّ لا يتصور فيه إكراه . بل ينبغي لكلّ عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة فضلا عن الإحواج إلى إرهاب . فمن نصح نفسه دخل فيه بما دلّ عليه عقله ، ومن أبى دخل فيه قهرا بنصيحة اللّه التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام . و قد ورد في ( صحيح مسلم ) « 1 » عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى قال عقب كلّ دعوة من هذه الدعوات : قد فعلت » . و قد روى البخاريّ « 2 » والجماعة عن أبي مسعود رضي اللّه عنه قال : قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة ، في ليلة ، كفتاه » . و روى الإمام أحمد « 3 » عن أبي ذرّ قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش ، لم يعطهنّ نبيّ قبلي » . و أخرج مسلم « 4 » عن ابن مسعود قال : لما أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة . إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض ، فيقبض منها . وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها ، فيقبض منها . قال : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [ النجم : 16 ] ، قال : فراش من ذهب قال ، فأعطي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثا : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لم يشرك باللّه من أمته شيئا ، المقحمات .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه في : الإيمان ، حديث 200 ونصه : عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [ البقرة : 284 ] قال ، دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « قولوا سمعنا وأطعنا وسلّمنا » قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم . فأنزل الله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ( قال : قد فعلت ) رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ( قال : قد فعلت ) وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا ( قال : قد فعلت ) [ البقرة : 286 ] . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : فضائل القرآن ، 10 - باب فضل سورة البقرة . ( 3 ) أخرجه في المسند في 5 / 151 . ( 4 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 279 .